سليمان الدخيل
180
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
المفكرون العرب المنطق عن اليونان . واعتمدوا عليه اعتمادا كبيرا في البحث والدراسة والمناقشة والجدل وتوضيح البرهان ومنطق أرسطو هو الذي اعتمد عليه العرب دون غيره ، واتضح ذلك في التبويب والترتيب وتقسيم الموضوعات وذكر الأمثلة والأحكام ، واستخدام القياس في النحو ، والفقه والفلسفة معتمدا بالدرجة الأولى على المنطق . كذلك تأثرت الثقافة العربية بالفكر اليوناني في علوم الطب والفلك والجغرافيا والكلام والموسيقى ، وأثرت الأفلاطونية في التصوف « 1 » . وكان للثقافة اليونانية أثر كبير في بغداد ، ذلك لأن اتصال المسلمين بها صاحب عصر تدوين العلوم العربية . فتسربت الثقافة اليونانية إليها ، وصيغتها بصيغة خاصة ، على أن العرب استفادوا من الثقافة اليونانية في المجالات التي تهمهم فقط ، فأخذوا ما أخذوا عنهم ثم بنوا عليه ورادوا فيه وابتكروا واقتصر اقتباسهم من الثقافة اليونانية على ما يلائم الحياة الإسلامية ولا يتعارض معها ، وأهملوا وتركوا كل ما يتعارض مع الدين الإسلامي والتقاليد العربية « 2 » عنى المسلمون بنقل تاريخ بني إسرائيل وأنبيائهم ، كما فعل ابن قتيبة في كتابه المعارف . وقد ثبت بما لا بدع مجالا للشك أن كثيرا مما نقل عن تاريخ بني إسرائيل ينقصه الدقة ، وتظهر فيه الأساطير والمبالغات ، ذلك أن الروايات التي نقلت عنهم ، كثيرا من رواتها من العوام ، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن بعض قصص ألف ليلة وليلة من أصل يهودي ، ومهما يكن من أمر فقد تسربت بعض جوانب الثقافة اليهودية إلى الفكر العربي ، بعضها أخذ عن أهل العلم بالكتاب ، وبعضها عن العوام « 3 » . كذلك ظهر أثر الثقافة المسيحية في بغداد ، وقد أوردت الكتب العربية شيئا كثيرا منها كرسالة الجاحظ في الرد على النصارى حول بعض عقائدهم .
--> ( 1 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ج 1 ص 275 . ( 2 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ج 1 ص 378 . ( 3 ) المصدر السابق ج 1 ص 338 .